محمد بن جرير الطبري

523

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن قال قائل : أوَ ما كان الله راضيًا الإسلامَ لعباده إلا يوم أنزل هذه الآية ؟ قيل : لم يزل الله راضيًا لخلقه الإسلام دينًا ، ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرِّف نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه درجة بعد درجة ، ومرتبة بعد مرتبة ، وحالا بعد حال ، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه ، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية : " ورضيت لكم الإسلام " بالصفة التي هو بها اليوم ( 1 ) والحال التي أنتم عليها اليوم منه = " دينًا " فالزموه ولا تفارقوه . * * * وكان قتادة يقول في ذلك ، ما : - 11093 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أنه يَمْثُل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة ، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير ، حتى يجيء الإسلام فيقول : " رب ، أنت السلام وأنا الإسلام " ، فيقول : " إياك اليوم أقبل ، وبك اليوم أجزي " . ( 2 ) * * * = وأحسب أن قتادة وجّه معنى " الإيمان " بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان ، لأن ذلك معنى " الإيمان " عند العرب ( 3 ) = ووجَّه معنى " الإسلام " إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد ، وانقياد الجسد له بالطاعة

--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " ورضيت لكم الإسلام دينًا ، بالصفة . . " ، والصواب حذف " دينًا " من هذا الموضع ، لأنها ستأتي بعد ، وهو سهو من عجلة الناسخ . ( 2 ) الأثر : 11093 - روى أبو داود الطيالسي في مسنده : 324 من حديث أبي هريرة : " حدثنا عباد بن راشد قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثنا أبو هريرة ونحن إذ ذاك في المدينة قال : يجيء الإسلام يوم القيامة ، فيقول الله عز وجل : " أنت الإسلام وأنا السَّلام ، اليومَ بك أُعْطِي وبك آخُذ " . ( 3 ) انظر تفسير " الإيمان " فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة ( أمن ) .